منتدى الاحرار
السلام عليكم ورحمة الله

اهلا وسهلا بك زائرنا في منتدى الاحرا ر

نتشرف ان تكون احد افراد اسرة المنتدى

والتسجيل معنا في المنتدى

منتدى الاحرار

اهلا وسهلا بك يا زائر في منتدى الاحرار
 
الرئيسيةلـمـشـاركـات الـجـديـدةمركز رفع الصوراليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اهلا وسهلا بجميع اعضاء وزوار منتدى الاحرار نتمنى لكم قضاء اسعد الاوقات معنا ....... ادارة المنتدى
رسالة الى زوارنا الكرام إخواني زوار منتدى الاحرار الأعزاء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته....وبعد ... يوجد قسم افتتح من أجل أن تتواصلون معنا ويطيب لنا أن تسجلوا لنا انطباعاتكم ومرئياتكم عن المنتدى في هذه الصفحة وماذا يجب علينا تجاهكم وتجاه الأعزاء الأعضاء والأصدقاء معنا في المنتدى وما تودون رؤيته في منتدانا ونتمنى منكم تسجيل ملاحظاتكم أو ماترغبون في إضافته أو الاهتمام بها أو طرح فكرة معينة تريدون تحقيقها طبعاً الكتابة هنا لاتحتاج لتسجيل عضوية , فقط اذكرلنا اسمك الصريح , أو الاسم المستعار لتسجيل كلمة تفضلوا هـــنـــــا  

شاطر | 
 

 سلسلة لا يضرهم من خذلهم(الجزء 2)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو الوليد
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 605
تاريخ التسجيل : 14/08/2011
mms

مُساهمةموضوع: سلسلة لا يضرهم من خذلهم(الجزء 2)   الأحد أكتوبر 02, 2011 9:26 am

سلسلة لا يضرهم من خذلهم
وطواعِيَةُ اللهِ ورَسولِهِ أنفعُ لنا(الجزء 2)


الحمدُ للهِ معزِّ الإسلامِ بنصره, ومُذلِّ الشركِ بقهره, ومصرِّف الأمور بأمره, ومستدرجِ الكافرين بمكره, الذي قدّر الأيام دولاً بعدله, وجعل العاقبةَ للمتقينَ بفضلِه. والصلاةُ والسلام على من أعلى اللهُ منارَ الإسلامِ بسيفه... أمَّا بعد:
فإنّ المتأمِّلَ لحالِ الأمّةِ الإسلامية اليومَ ليتملكُ قلبَهُ شعورٌ بالحزنِ والأسى على ما آلَ إِليه حالُها؛ من تكالُبِ أعدائِها عليها, والذلّةِ والمهانةِ التي وصلت إليها, بعد أن كانت أعزّ الأمم!.. أمةٌ بعثها اللهُ سبحانَه وتعالى لتكونَ خيرَ أمة أخرجت للناس.. أمةٌ وُجِدتْ لتعلو ولا يعلى عليها.. لتكونَ في مقدمة ركبِ الأمم, لا في مؤخرها..!
إني تذكـرتُ والذِّكرى مؤرقة
مجدًا تليـدًا بأيدينَـا أضعنَاهُ
أنَّى اتجهْتَ إِلى الإسلامِ في بلدٍ
تجدهُ كالطَّيرِ مقصُوصًا جناحاهُ
هذه الأمة إنما اكتسبت عزَّها وسموَّهَا ورفعتَها بقيامِها بأمْرِ ربها, وتطبيقِها لحُكمِه. قال تعالى: ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) وقال تعالى: ( وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ). وهذا الوعدُ لا يتخلّفُ في أيِّ زمانٍ أو مكان ما أتى العباد بسببه وشرطِه؛ ألا وهو الإيمانُ بالله سبحانهُ وتعالى, والذي يتحقق بامتثال شرعِ الله وإعلاءِ كلمتِه, والجهادِ في سبيلِه.
ولكن, لما غفلَ أبناءُ هذه الأمّة عن وصية الله في قوله: ( يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ), وتغاضَوا عن التخويفِ والتهديد في قوله : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ), وتهاونوا بالأمر الذي وُكِلَ إليهم في قوله: ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ), وتنكّبوا عن جادّةِ العزِّ في قوله : ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ) ؛ حينها ألبسَهم عدوُّهم رداءَ الذُل, وأشعرَهم شعَارَ الهوان, وسامَهم سوء العذاب, وضامَهم بأليمِ العقاب, وخيّمَ ظلامُ الغفلة على هذه الأمة, وطال ليل رقادِها.
ولكنَّ هذه الأمة؛ أمةٌ عصيّةٌ أبية تأنَفُ الذلَّ وتأبى الضيم, فهي وإن أصاب جسدَها الآلامُ وأثخنتهُ الجراح, إلا أنه لا يلبث أن يستجمعَ قواه, ويستعدّ للنهوض إيذانًا ببزوغ فجرِ الإسلام وطلوعِ شمسِ التوحيد من جديد.
وها نحنُ اليومَ أمام صفحةٍ جديدة من صفحاتِ الصحوةِ في هذه الأمة, بعد أن أدركت حقيقةَ معركتِها و وعتْ مخططاتِ أعدائها بها. ولكنّ هذه الصحوة صاحَبَ مسيرَها الكثيرُ من الدخل, وعكَّرَ صفوَها الكثيرُ مِن الدّغَل, وهذا مصداقُ حديث الصادِقِ المصدُوق -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديثِ حُذيفة قال: ( كان النّاسُ يسألونَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير, وكنتُ أسألُه عنِ الشرِّ مخافةَ أن يدركني؛ فقلتُ يا رسولَ الله إنا كنّا في جاهليةٍ وشر فجاءَنا الله بهذا الخير, فهل بعد هذا الخير شر؟ قال "نعم", قلتُ وهل بعد ذلكَ الشرّ من خير؟ قال "نعم, وفيه دخن" قلتُ وما دخنه؟ قال "قومٌ يهدونَ بغيرِ هديي, تعرفُ منهم وتنكر". قلتُ فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال "نعم, دعاةٌ على أبوابِ جهنّم, من أجابهم إليها قذفوه فيها". قلت يا رسول الله صفهم لنا. فقال "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا".
نعم هذا الدَخَلُ والدغل إنما هو من أناسٍ آلمهم حال أمتهم؛ فأرادوا النهوض بها, ولكنّهم بغير هدي نبيهم -صلى الله عليه وسلم- اهتدوا, وغيرِ سبيله سلكوا.. فبتنا نرى مناهجَ أجنبية غريبة دخيلة على ديننا, فتارة نراهم في البرلمانات الشركية, والمجالس التشريعية, وتارة ينادون بالديموقراطية, وأخرى يدعونَ إلى الانخراط في الجيوش الطاغوتية وضرورة المشاركة في العملية السياسية وكتابة دستور البلاد المحادّ لدين ربِّ العباد, وأخرى يمدُّون حبالِ الود بينهم وبين الصليبيين وأذنابِهم من الحكام المرتدين... وأخرى وأخرى في سلسلة يطولُ ذكرها وسردها.
وإذا ما جُوبِه أصحابُها بضلالِ هذه المناهج وفسادها؛ أشهروا في وجهِ خصومِهم سلاحَ شُبهتهم: إنّ في ذلك مصلحةَ الدعوة! هذه المصلحة التي أضحت متّكئًا يتكئون عليه لتبرير مواقفهم وتنازلاتهم, وإن كان في هذه المواقف وتلكم التنازلات الانسلاخَ من دين ربِّ الأرض والسماوات. هذه المصلحة التي غدت بحقّ طاغوتًا يُعبد من دون الله سبحانه وتعالى. وترى أصحابَ هذه المصلحة المزعومة لا يتورعون عن نبزِ مخالفيهم ومنتقديهم بأشنع الألقاب, ونعتِهم بأبشع الصفات, ورميِهم بعدم فقههم للواقع, وعدمِ إلمامهم بمقاصد الشرع.
وقد قضى اللهُ سبحانه وتعالى قضاءً مُبرَمًا؛ أنه لا تزال طائفة من هذه الأمّة ظاهرينَ على الحقِّ لا يضرُّهم من خالفهم ولا من خَذَلهم حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك.
وانطلاقًا من هذا, أحببتُ أن أذكرَ مفهوم مصلحةِ الدعوةِ عندَ هذه الطائفة, وكيفية تطبيق أفرادِها لهذا المفهوم مُسترشِدًا بأقوالِ أئمةِ الهُدى ومصابيحِ الدجى؛ لعله يكونُ نبراسًا تنيرُ درب الهدايةِ لمن زلّت به قدمُه, وحاد به عقلُه عن طريقِ الله القويم وصراطِه المستقيم.
إنّ أهلَ الطائفةِ المنصورة يحرصونَ غايةَ الحرصِ على تحقيقِ مصلحةِ الدعوة؛ إذ همْ لم ينطلقوا دعاةً إلى الله إلا ابتغاء تحقيق هذه المصلحة. ومصلحةُ الدعوةِ عندَهم تكمنُ في الحفاظِ على هذه الدعوة بيضاءَ نقية من أن يشوبَها دخلٌ أو دغل فيؤدونها كما أُنزِلت لم يُسلب عرضُها, ولم يشوّه وجهها, وذلك بالتقول على الله بغير علم, أو الإحداث والابتداعِ في دينه, أو الترخُّصِ بالباطل, أو الركونِ للذين ظلموا, فضلاً عن التلطخ والتدنس بأرجاسِ الشرك وأوحاله. فإن فعل ذلك بزعم تحقيق مصلحة الدعوة هو جهلٌ مدقع, وهوى متبع, وشبهةٌ راسخة, وشهوةٌ غالبة, فضلاً عن كونه خِدعَةَ إبليس, وهو مسلكُ من لم يرد مصلحةَ الدعوة طرفة عين, وإنما أراد تدميرَ الدعوةِ من أساسِها, وخلعَها من جذورها, واستبدالَها بأوهامٍ وظنون, وإن ظن أنه يحسن صنعا...!
وأهلُ الطائفة المنصورة لا يخدعون أنفُسهم تحت زعم تحقيق مصلحة الدعوة توصلاً لتحقيق مصالحَ خاصة, وحظوظٍ ذاتية, تصبغ ويخلع عليها رداءُ الشرعية, تلبيسًا وتمويهًا.
كما لا يتخذ أهلُ الطائفة المنصورة من مصلحة الدعوة تكأة للتنصل والتفلت من القيام بأمر الله والقوامَة عليه علمًا وعملاً دعوةً وجهادًا إيثارًا للسلامة وحبًّا للدعة, ورغبة عن التعرض للبلاء في ذات الله, كما يودُّ أحدُهم أن لو كان باديا في الأعراب يسألُ عن أخبار المسلمين.
بل غايةُ مصلحةِ الدعوة عند أهلِ الطائفةِ المنصورة؛ القيامُ بأمرِ الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه, وإن تلفت في سبيل ذلك الأجساد وأُزهقت لتحقيقه الأنفسُ والأرواح.
إن الطائفةَ المنصورة غاياتها ربانية, ووسائلُها شرعية, وعندما تنحرف طائفةٌ عن هذه الجادة, وتتخذُ لنفسِها طرقًا ووسائلَ غير منضبطةٍ بالشرع بحجة مصلحة الدعوة؛ فإنها تخرجُ عن حدِّ ورسم و وصف الطائفةِ المنصورة حيث فارقتها في سيرِها ومسيرها فلا لقاء.
سارت مشرقة وسرت مغربًا
شتان بين مشرق ومغرب
والكلامُ على مصلحة الدعوة يتمثل في عدةِ محاور:
المحور الأول: تحديدُ حقيقةِ مصلحَةِ الدّعوة.
قال الله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) فهذا نصٌّ من العليمِ الخبير بمنتهى الحصر والقصر على أنّه لم يخلقِ الخلق إلا لتحقيق غاية واحدة وهدفٍ محدد؛ وهو القيام بعبادته وحده, وأنه سبحانه قد فرَّغهم لذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " العبادةُ لله هي الغايةُ المحبوبة له, والمرضيَّة له, التي خلق الخلقَ لها , كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وبها أرسلَ جميع الرّسل كما قال نوح لقومه: (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ ). وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم. وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ). وقال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) وقال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) " اهـ.
فعلم مما سبق أن مصلحة الدعوة هي في تحقيق العبودية لله رب العالمين وفق ما جاء به رسله صلوات الله وسلامه عليهم, وبذلك تتحددُ مصلحة الدعوة بصورةٍ قاطِعة بعد مبعثه -صلى الله عليه وسلم- في تحقيق أصلين:
إفرادِ الله وحده بالعبادة, وإفرادِ رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالمُتابعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " وجماعُ الدينِ شيئآن أحدهما: ألا نعبدَ إلا اللهَ تعالى, والثاني: أن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع. كما قال تعالى (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) قال الفضيلُ بن عياض: أخلصُه وأصوبُه. قيل له ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل, وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل, حتى يكونَ خالصًا صوابًا, والخالصُ أن يكون خالصًا لله, والصوابُ أن يكونَ على السنّة. وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه؛ اللهم اجعل عملي كله صالحا, و اجعله لوجهك خالصًا, ولا تجعل لأحد فيه شيئًا. وهذا هو دينُ الإسلام الذي أرسل الله به رسلَه, وأنزل به كتبَهُ " اهـ.
ولذلك, كان تحقيق هذين الأصلين هو المقصودُ الأصيل للولاية في الإسلام على التحقيق, وليس للولاية من مقصد آخرَ غيره. ومن روائع ما يدل على هذا قوله تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ).
روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: "كنّا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ستة نفر, فقال المشركون للنبي -صلى الله عليه وسلم- اطرد هؤلاءِ عنك لا يجترئون علينا. قال وكنتُ أنا وابن مسعودٍ ورجلٍ من هذيل وبلال ورجلان لستُ أسميهما. فوقع في نفس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما شاءُ الله أن يقع, فحدّث نفسه؛ فأنزل الله عز وجل(وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).
قال القرطبي رحمه الله:" وكانَ النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما مال إلى ذلك طمعًا في إسلامهم وإسلامِ قومهم, ورأى أن ذلك لا يفوِّتُ أصحابَه شيئًا, ولا يُنقِصُ لهم قدرًا؛ فمالَ إليه. فأنزلَ الله الآية, فنهاه عما همَّ بهِ من الطرد لا أنّه أوقع الطرد" اهـ.
فرغم أن إسلامَ زعماءِ الكفرِ وقادته مما لا يختلف في كونه مصلحة عظيمة للدعوة؛ بل هو نصرٌ وفتح كبير لها, ورغم أن مفسدةَ طردِ وإبعادِ هؤلاءِ النفر المستضعفين من المسلمين عن مجلس أولئك الزعماء والقادة -مما يظهر لأكثر العقول أنها أقل بكثير من مصلحة زعماءِ الكفر وقادته, لا سيما مع استرضاءِ هؤلاء المستضعفين, وإعلامهم بأن هذا الإجراء إنما هو إجراء مؤقت لمصلحة الدعوة, إلا أن اللهَ سبحانه وتعالى بيَّن أن تلكَ المصلحةَ مُلغاة لا اعتبار لها إذ جاءت من هذا الطريق, كما بين تعالى أن حفظَ دينِ هؤلاءِ النفر المستضعفين هو المصلحة الحقيقية التي يجب الاهتمامُ بها, والتعويلُ عليها.
وبتأمل الوصف الذي علّق عليه المولى سبحانه هذا الحكم, وهو قولُهُ: (يدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) ندرك أن عبادتَهُ سبحانه على النحو الذي يحبُّه ويرضاه هي مصلحة الدعوة التي يريدها الله سبحانه, والتي من أجلها أنزلَ هذا الدين, وأرسلَ عبادَهُ المرسلين.
وهذه الآيات السابقة نصوص ظاهرة في أن مسألة مصلحةِ الدعوة ليست مسألةَ تنازلات يسارعُ أهل الدعوة لتقديمها للباطل وأهله استرضاء لهم واستجذابًا, وإنما هي مسألة التزام بتبليغ تلك الدعوة على الصفة التي يحبُّها الله ويرضاها, وإن كانت النتيجة إعراضَ ذوي القوة والجاه والسلطان في مقابلِ الحفاظِ على نفرٍ قليلٍ من المستضعفين.
قال سيد -رحمه الله تعالى- عند تفسير لقوله تعالى: " ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحابَ الدعواتِ - بعد الرسل - والرغبـَةِ الملحـة في انتشـار الدعوات وانتصارها . . تدفعُهم إلى استمالةِ بعضِ الأشخاص أو بعضِ العناصر بالإغضاء في أوّل الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلاً فيها، و مجاراة في بعض أمرهم كي لا ينفـروا من الدعوة و يخاصموها.
ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذِ وسائلَ وأساليب لا تستقيمُ مع موازينِ الدعوةِ الدقيقة ، ولا مـع منهجِ الدعوة المستقيم . وذلك حرصًا على سرعةِ انتصارِ الدعوةِ وانتشـارها . واجتـهادًا في تحقيـقِ "مصلحة الدعوة " ومصلحةُ الدعوة ا لحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كـثير . أمـا النتائج فهي غيبٌ لا يعلمُه إلا الله . فلا يجوز أن يحسب حملة الدعوة حساب هذه النتائج؛ إ نما يجـب أن يمضُوا على نهجِ الدعوة الواضحِ الصريحِ الدقيق ، وأن يدعوا نتائِج هذه الاستقامة لله. ولن تكونَ إلا خيرًا في نهاية المطاف .
وها هو القرآن الكريم ينبههم إلى أن الشيطانَ يتربّصُ بأمانيهم تلك لينفذَ منـها إلى صـميم الدعوة. وإذا كان الله قد عصم أنبياءَهُ ورسلَه فلم يمكن للشيطان أن ينفذ من خلال رغباتِهم الفطرية إلى دعوتهم. فغيرُ المعصومينَ في حاجةٍ إلى الحذرِ الشديد من هذه الناحية، والتحرج البالغ، خيفة أن يـدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرغبة في نصرة الدعوة والحرص على ما يسمُّونَه "مصلحة الـدعوة" . .
إن كلمة "مصلحة الدعوة" يجبُ أن ترتفع من قاموسِ أصحاب الدعوات ، لأنها مزلةٌ، ومدخلٌ للشـيطان يأتيهم منه، حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص! ولقد تتحولُ "مصلحة الدعوة" إلى صنمٍ يتعبده أصحاب الدعوة وينسون معه مهجَ الدعوةِ الأصيل! . . إن على أصـحاب الـدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج دون التفاتٍ إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوحُ لهـم أن فيها خطرًا على الدعوة وأصحابِها! فالخطرُ الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب، سواء كان هذا الانحراف كثيرًا أو قليلا . والله تعالى أعرف منهم بالمصلحة وهم ليسـوا بها مكلفين. إنما هم مكلفون بأمرٍ واحد. ألا ينحرفوا عن المنهج، وألا يحيدوا عن الطريق . ." اهـ.
إنَّ محاولاتِ كفار قريش لم تتوقف لصرف النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحق الذي جاء به ليلتقي معهم ولو في شيء قليل, وذلك بالترغيبِ تارة, وبالترهيبِ أُخرى. يقولُ الله سبحانه: ( فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ). وقال تعالى: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ).
قال الشاطبي رحمه الله: "فكذلك كانوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فأنكروا ما توقعوا معَهُ زوالَ ما بأيديهم؛ لأنه خرج عن معتادهم وأتى بخلاف ما كانُوا عليه من كفرهم وضلالِهم حتى أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم ليوقعوا بينهم وبينه المآلفة والموافقة ولو في بعض الأوقات, أو في بعضِ الأحوال, أو على بعض الوجوه, ويقنعوا منه بذلك ليقفَ لهم بتلك الموافقة واهي بنائهم. فأبى -عليه الصلاة والسلام- إلا الثباتَ على محض الحق. والمحافظةَ على خالِصِ الصواب وأنزل الله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ... الخ السورة) فنصبوا له عند ذلك حربَ العداوة ورموهُ بسهام القطيعة, وصار أهل السلم كلهم حربًا عليه وعاد الولي الحميمُ عليه كالعذابِ الأليم" اهـ.
المحور الثاني: العمل بالشرعِ والتمسكُ به هو عينُ تحقيق المصلحة.
وهذا مقررٌ إجمالا من وجهين:
الوجهُ الأول: أنّ اللهَ لم يشرع هذا الدينَ إلا للعمل به, وابتلاء العباد بالتكاليف, والمكلفُ عبدٌ مربوب, فكانت مصلحة الاستجابة للتكاليف, والتمسكُ بالشرع؛ هي أسُّ و رأس المصالح التي يريدها الله -سبحانه وتعالى- من المكلفين, وهي كذلك أس و رأسُ المصالح التي يحققها العبد, والنصوصُ المقررةُ لهذا الأصلِ كثيرةٌ جدًّا إذ هو أصلُ الإسلام ومبناه وغايةُ التعبد ومنتهاه.
وقد قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً ).
قال ابن كثير رحمه الله "فهذهِ الآية عامّةٌ في جميعِ الأمور, وذلكَ أنه إذا حكمَ اللهُ ورسولُه بشيءٍ فليس لأحد مخالفته, ولا اختيار لأحد ههنا, ولا رأي ولا قول كما قال تبارك وتعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ). ولهذا شدَّدَ في خلافِ ذلك فقال (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً ) وقوله تعالى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )" اهـ.
قال ابن القيم رحمه الله: "فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمنٍ أن يختارَ بعد قضائِه وقضاءِ رسوله, ومن تخيّر بعد ذلك؛ فقد ضل ضلالا مبينا" اهـ.
قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ). عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال " لا تقولوا خلاف الكتابَ والسنة".
وبنحو الآية السابقة قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ). قال ابن القيم رحمه الله : "فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوطِ أعمالهم؛ فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاءَ به ورفعِهَا عليه, أليس هذا أولى أن يكون محبطًا لأعمالهم..؟" اهـ.
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: "خطّ لنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خطًّا, ثم خطًّ خطوطًا يمينا وشمالا, ثم قال هذه سبلٌ على كل سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه, ثم قرأ قوله تعالى (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) "
وقد أخرج ابن حبان رحمه الله هذا الحديثَ في صحيحه ثم ترجم له بقوله: "ذكرُ الإخبارِ عمّا يجبُ على المرء من لزوم سنته صلى الله عليه وسلم, وحفظِهِ نفسَهُ عن كلّ من يأباها من أهل البدع وإن حسنوا ذلك في عينه وزينوه"
الوجهُ الثاني: أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد على خير وجهٍ وأكملِ صورة في الدنيا والآخرة, فحيثما كان الشرع؛ كانت المصلحة, بل لا مصلحة بخلاف الشرع أبدًا. ولذا كان التمسك بالشرع هو عين الحرص على تحقيق المصلحة لمن أراد المصلحة.
وقد وصف اللهُ -سبحانه وتعالى- كتابَه بأنه هدى وشفاء ورحمة وبشرى وضياء ونور وغير ذلك من الأوصاف الدالة على أن المصلحة -كل المصلحة- محصورة في اتباعه والتمسك بما فيه. قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: ".. فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ"
قال ابن رجب رحمه الله "قولُه (عضوا عليها بالنواجذ) كناية عن شدة التمسك بها, والنواجذُ الأضراس" اهـ.
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال؛ قال رسول الله 0صلى الله عليه وسلم0 ( إنّه ليس شيءٌ يقربكم من الجنة, ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به, وليس شيءٌ يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه"
فهذه النصوص السابقة كلُّها قاطعة الدلالة في أن هذه الشرعَةِ المطهرة لم تأتِ أصلاً إلا لتحقيقِ مصالحِ العباد في الدارين في أجلِّ صورها وأرفعها, كما تدل تلك النصوص على أن المصلحة كل المصلحة هي في اتباع الشرع والتمسك به.
قال العز بن عبدالسلام: "الشريعةُ كلها مصالح, إما تدرأ مفاسدا أو تجلب مصالح, فإذا سمعت الله يقول (يا أيها الذين آمنوا) فتأمل وصيته بعد ندائه فلا تجد إلا خيرًا يحثك عليه أو شرًّا يزجرك عنه أو جمعًا بين الحث والزجر, وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثًّا على اجتناب المفاسد, وما في بعضِ الأحكام من المصالح حثًّا على أتيانِ المصالح" اهـ.
ومن ثمّ كان أهل الطائفة المنصورة لا يتألّونَ على اللهِ سبحانه وتعالى بحجة مصلحة الدعوة, ولا يقولونَ عليه بغير علم, وذلك أنهم يوقنون أن الذي أنزلَ هذه الدعوة وأمر بتبليغها والمحافظة عليها كما أنزلت هو الأعلم بالدعوة ومصلحتها, وأنه سبحانه لم يأمر بما أمر به إلا تحقيقًا لمصلحةِ الدعوة ومصلحة الداعين والمدعوين على السواء, فحيثما كان الشرع كانت المصلحة, وهذا من لوازم اليقين في صحة هذا الشرع وأحقيته, فالشريعة كلها مصالح من رب الأرباب لعباده, فيا خيبة من لم يقبل نصحه في الدنيا والآخرة.
فعن رافعِ بن خديج رضي الله عنه قال: ( كنا نحاقِلُ الأرضَ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى, فجاءَنا ذاتَ يومٍ رجلٌ من عمومتي فقال نهانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن أمر كان لنا نافعا, وطواعية الله ورسوله أنفع لنا, نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى وأمر ربَّ الأرض أن يزرعها أو يُزرِعَها وكره كراءها وما سوى ذلك)
فتأمل قول الصحابي رضي الله عنه "عن أمر كان لنا نافعا وطواعية الله ورسوله أنفع لنا" فالصحابي يصرح بأنهم كانوا يرون ما نهاهم عنه صلى الله عليه وسلم نافعا إلا أنهم رغم ذلك تركوه يقينًا منهم -رضي الله عنهم- أن المصلحة هي طاعته -صلى الله عليه وسلم- والامتثال لما جاء به مع القطع بأن أمره -صلى الله عليه وسلم- هو عين المصلحة في الدنيا والآخرة فما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو حق؛ وإن أدى ذلك إلى تعطيلِ وإلغاءِ ما قد تستحسنه العقول وتستصلحه.
قال الشاطبي رحمه الله "إن كتابَ الله وسنة نبيه لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول, ولا أبقيا لغيرِهما مجالاً يُعتد فيه وأن الدين قد كمل والسعادة الكبرى فيما وضع والطرِبَةُ فيما شرع, وما سوى ذلك؛ فضلال وبهتان وإفكٌ وخسران, وأن العاقِدَ عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى, محصلٌ لكلمتي الخير دنيا وأخرى, وما سواهما فأحلام وخيالات وأوهام" اهـ.
أما السعيُ لالتماس المصلحة بمخالفة الكتاب والسنة؛ فهو فعلُ أهل الشكِّ والارتياب الذين ابتلوا بضعفِ اليقين وهم لا يشعرون.
وحالهم مع هذه الشريعة كما يقول ابن القيم رحمه الله " جعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق" اهـ.
فكأنّ الذي أنزل هذه الشريعة لا يعلم أحوال الناس وما يصلح لهم وما لا يصلح, وأن العبد الظلومَ الجهول قد أدرك المصلحة التي فاتت المولى -سبحانه وتعالى- الذي يعلم السر وأخفى -تعالى الله عما يفتريه الظالمون أهل الجهل والهوى والارتياب- ولذا كان التماس المصلحة بمخالفة الكتاب والسنة مجاوزة من العبد لقدره, وتطاولا لما لا يصلح له مع كونه تعديًا على مقام الألوهية, ومنازعةً سمجةً للرب الجليل -سبحانه وتعالى- إذ الله هو الذي خلق الخلق وهو الأعلم بمصالحهم وما يصلحهم في كل زمان ومكان؛ فهو سبحانه العليم بهم وبما يصلح لهم.
قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) وكم من أمر تظنه العقول المصلحة وهو عينُ المفسدة, وكم من أمر تظنه العقول المفسدة ويكون هو عين المصلحة. والنسبةُ بين علم الله سبحانه وتعالى بالمصلحة وعلم العبد بها هي النسبة بين الخالق والمخلوق, والعبدُ عبدٌ مربوب ليس له من الأمر شيء, وواجبُه هو الخضوعُ والطاعة والامتثال, لا الاعتراض والمعارضة مع تيقنه بأن ما شرعَهُ اللهُ له هو عين المصلحة, فقد قال تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) وقال سبحانه (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ).
قال ابن حزم رحمه الله: " في هذه الآي إبطالُ أن يتبع أحد ما استحسن بغير برهان من نصٍّ أو إجماع, ولا يكونُ أحدٌ أحرص على العباد المؤمنين من الله خالقِهم ورازقِهم وباعثِ الرسل إليهم, والاحتياط كله إتباع ما أمر الله به, والشناعة كلها مخالفته" اهـ.

وقال تعالى: (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ ) وقال كذلك: (وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) فهيهات للمصلحَة أن تكون في خلاف النص, بل خلافُ النص هو عينُ المفسدة, وإنما المصلحة ما قرره النص من فعلٍ أو ترك.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كذلك" والعملُ إذا اشتملَ على مصلحةٍ ومفسدة فإن الشارع حكيم؛ فإذا غلبت مصلحتُه على مفسدتِه شَرعَه, وإن غلبت مفسدتُه على مصلحتِه لم يشرعه؛ بل نهى عنه. كما قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )..." إلى أن قال " وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربًا إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله فإنه لا بد أن يكون ضررُه أعظمَ من نفعه, وإلا فلو كان نفعُه أعظم غالبًا على ضرره لم يهمله الشارع؛ فإنه تعالى حكيمٌ لا يهمل مصالح الدين, ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين" اهـ.

ولذا فإن مجرّد تصوُّر هذا القول بتقديم المصلحة على النص كافٍ في إبطاله, إذ يفتحُ بابَ المروقِ من الدين والانسلاخ من أحكام الشرع على مصراعيه, هذا فضلاً عن فتح باب الإحداث والابتداع والتحكم بالشرع بنحاسة الآراء وزبالة الأفكار والأهواء. إذ لا يعجزُ كلُّ مبطلٍ عن القول بأنه ينشد المصلحة من باطله الذي جاء به وأحدثه, وقدمه على النص. وقد قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ )
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب رحمهم الله جميعًا: "في الآية دليل على وجوب اطراح الرأي مع السنة, وإن ادعى صاحبه أنه مصلح, وأن دعوى الإصلاح ليس بعذر في ترك ما أنزل الله" اهـ.

وتأمّل قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ). فإرادتُهُم الإحسان والتوفيق لم تُغنِ عنهم فيما وقعوا فيه من الكفر؛ بل كانت هي من أسبابِ ذلك.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله "أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزلَ اللهُ وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك, ولم يستجيبوا للداعي ورضوا بحكم غيره, ثم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيم غيره والتحاكم إليه كما قال تعالى (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ) -اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق, إي بفعل ما يُرضِي الفريقين ويوفق بينهما كما يفعله من يروم التوفيقَ بين ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبين ما خالفه, ويزعم بذلك أنه محسن قاصد الإصلاح والتوفيق. والإيمان إنما يقتضي إلقاءَ الحرب بينما جاء به الرسول وبين كل ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسةٍ و رأي, فمحض الإيمان في هذا الحرب لا في التوفيق, وبالله التوفيق" اهـ.

وما أعجبَ قول الإمام أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي -رحمه الله تعالى- قال: "الواجبُ على جميع أهل العلم والإسلام أن يلزموا القصد للإتباع, وأن يجعلوا الأصول التي نزل بها القرءان وأتت بها السنن من الرسول -صلى الله عليه وسلم- غاياتٍ للعقول, ولا يجعلوا العقول غاياتٍ للأصول" اهـ.

وهنا لا بدّ من التنبيهِ على أمرٍ هو غاية في الأهمية -وهو أنّ الموازنةَ عند إنزال الأحكام الشرعية على أرضِ الواقع مما جاء به الشرع وحث عليه وندب إليه. وهذا من الفقه الواجب حال تعاطي الأحكام الشرعية والتعامل معها. إلا أنّ أهل الطائفة المنصورة عندما يتقيدون بقاعدة الموازنة هذه فإنهم يجعلون الشرع هو المرجِعَ في تقدير المصالحِ والمفاسد. فالمصلحةُ عندهم هي ما ثبت كونُه مصلحةً في شرع الله ودينه. والمفسدةُ هي ما ثبتَ كونه مفسدة في شرع الله ودينه لا غير. ومن ثم فلا يتخذ أهل الطائفة المنصورة من شعار فقه الموازنات تكأة لهم للإحداث والابتداعِ, والقولِ على الله بغير علم, والركونِ إلى الذين ظلموا, وتحليلِ الحرام وتحريم الحلال, والتلاعبِ بالأحكام الشرعية فعل الكثيرين ممن قد جعلوا المرجع في تقدير المصالح والمفاسد إلى عقولهم وأهوائهم فأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل؛ حيث استحسنوا ما استقبحه الشرع, واستقبحوا ما استحسنه الشرع, ثم جعلوا القول بالموازنات حصنًا يلوذونَ بهِ وملجئا يلجئون إليه, و وسيلة لنيل أغراضهم ودرعًا يدرءونَ به عن أنفسهم وسيفًا يُشهرونَه في وجه مخالفهم.

وهذا ما دل عليه قوله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) جاء في سبب نزول هذه الآيات أنهم لما أسروا الأسارى يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (ما ترون في هؤلاء الأسارى)؟ فقال أبو بكر: يا نبيَّ الله، هم بنو العمِّ والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب)؟ قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (نسيب لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. قال عمر رضي الله عنه: فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء, لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) ... وأنزل الله عز وجل "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ"

فدلت هذه الآياتُ وما ثبتَ في سببِ نُزولها على أن تقدير المصلحة إنما مرده لما يشرعه الله ويرتضيه لخلقه, خلافًا لما قد تستحسنه العقول وإن كانت هذه العقول هي عقول كبارِ رجالات هذا الدين علمًا وعملاً, فكيف بمن دونهم ممن لا نسبة بينه وبينهم علمًا أو عملاً.

ولا بدّ هنا من الإشارَةِ إلى مسلكٍ يتخذ منه الكثيرون تكأة لتبرير وتمرير ما يهوون, وهو مسلكُ الاستدلال بالقواعد العامة. والجوابُ عليه: أن الذي قرره أهلُ العلم أن إعمال القواعدِ العامة مقيدٌ بالإجماع بعدم مخالفة النصوص, فالاجتهاد وفقًا لتلك القواعد اجتهادٌ باطل بيقين متى خالف ما دل عليه النص, بل هو على التحقيق اجتهاد لم يصادف محلاً فلا محل له, ولذا قرر أهل العلم في قواعدهم المتفق عليها أنه لا مساغ للاجتهاد في مورد النص.

ومن صُوَرِ الخلط في قاعدةِ الموازنة والترجيح بين المصلحة والمفسدة وفقًا لمعيارِ الشّرع؛ أنّ الكثيرين ربما لاموا غيرهم على فعل الأحسن والأكمل, وحمدوه على فعل الأقل؛ لضعف نظرهم أو لإيثارهم ما يظنونه السلامة والورع لضعف فقههم, وإلا فالورعُ ليس في ترك المشتَبِهِ بالمحرم أو المكروه فقط؛ بل من الورع فعلُ المشتَبِه بالمستحب أو بالواجب أيضًا, ومن ذلك ما فعله غلامُ أصحابِ الأخدود حيثُ بذل الغلام نفسَه مؤثرًا القتلَ على الحياة؛ لإظهار الدينِ ونشرِ الدعوة فكان اختياره رضي الله عنه للقتل وحرصه عليه هو عينُ مصلحَةِ الدعوة.


المحور الثالث: المصلحة كمصدرٍ من مصادر الأحكام الشرعية.
اتفق أهلُ العلمِ قاطبةً على أنَّ المصلحة ليست مصدرًا أو دليلاً من أدلة الأحكام الشرعية -وأن تعليل الأحكام بمجرد المصلحة ضلالٌ مبين وقولٌ على الله بغير علم, واتباع للهوى, قد يفضي بصاحبه للكفر. قال تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ). وقال أيضًا (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) وقالَ جلَّ وعلا (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ) إلا أنّ هناك دائرة ضيقة جدًّا اختلف أهلُ العلم في جوازِ تعميل الأحكام بالمصلحة فيها, وهي دائرة بالأوصاف التي لم يشهد لها الشرع بالاعتبار أو الإلغاء. وهي ما اصطلح عليه بالمصالح المرسلة أو الاستصلاح.

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "لا يجوز إثبات الأحكامِ بمجرَّد الاستحسان والاستصلاح, فإن ذلك شرعٌ للدين بالرأي وذلك حرام لقوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ )" اهـ.

وقال الشنقيطيُّ رحمه الله: "قرَّر أهلُ المذاهب أن المصلحة المرسلة ليست حجة في دين الله, كما أوضحه القراسي في التنقيح" اهـ.

وقولُ البعض بأن الشريعة راعت مصالح العباد, ولكنها لم تنص على جميع جزئيات المصالح إلى يوم الدين وإنما نصت على بعضها؛ هو خلطٌ بينَ الوقائع والمصالح. فالوقائعُ أو النوازل أو الحوادث هي الجزئيات المستجدة إلى يوم الدين, والتي نسلم بأن الشريعة لم تأتِ بالنص على كل مفردة منها. أما المصالح التي تعلل الأحكام بناءً عليها فمن شأنها أن تكون أوصافًا عامة كلية تنتظم تحتها ما شاء الله من مفردات أو جزئيات الوقائع أو النوازلِ أو الحوادِثِ ما وقع منها أو ما يستجد إلى يوم الدين.
وما من مصلحةٍ حقيقية هنا إلا وقد شهد لها الشرع بالاعتبار, فالحق الذي يجبُ اعتقاد هنا؛ أنه لا وجود لمثل هذا النوع من المصالح التي لم يشهد لها الشرع, وإلا لزم من ذلك اتهام الشرع بالنقصان, وعدم الكمال والحاجة إلى غيره. ولا يخلو الأمر هنا من أحد احتمالين: الأول؛ أن تكون هذه المصلحة التي ذهب العبد إلى تقريرها مصلحة حقيقية فعلاً شهد الشرع لها بالاعتبار وقررها, غير أن العبد لعدم تمام وكمال خبرته بالشرع وطرق الدلالة والاستنباط خُيِّل إليه أن الشرع لم يعتبرها, في حين أنه قد اعتبرها وقرّرها. الثاني؛ أن تكون هذه المصلحة التي ذهب العبد إلى تقريرها مصلحة موهومة, وليست مصلحة شرعية حقيقية وإن استحسنتها العقول واستصلحتها.


المحور الرابع: تحقيقُ التوحيد أعظم المصالح بإطلاق.
إن تحقيق التوحيد غايةُ الغايات التي خلقَ اللهُ الخلق وأنشأهم من العدم من أجلها, وهو من ثم أعظم المصالح التي يحبها الله ويرضاها من خلقه, كيف وهو سبحانه وتعالى لم يخلقهم إلا لتحقيقه والقيام به. قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ).
قال ابن كثير رحمه الله: "ومعنى الآية أنّه تباركَ وتعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له, فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء, ومن عصاه عذبه أشد العذاب, وأخبر أنه غير محتاج إليهم؛ بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم فهو خالقهم ورازقهم" اهـ.

قال تعالى: (وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ )
ومما يبين أن تحقيقَ التوحيدِ أعظمُ المصالح التي بُعثَ الأنبياء والمرسلون لتحقيقها والحفاظِ عليها -أنّ الله سبحانه وتعالى قد بين أن جميع الأعمال غير المبنية على التوحيد محبطة باطلة فاسدة كاسدة لا وجود لها, فهي كعدمها بل أسوأ. قال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
كما بين تعالى أن هذه الأعمال غير المبنية على التوحيد هي كالسراب الذي ينخدع به الرائي فيحسبه ماءً فإذا جد في طلبه وجد بين يديه سرابًا تتقطع معه النفس حسرة وندمًا.. قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ).

وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قلتُ يارسولَ الله ابن جدعانَ كان في الجاهلية يَصِلُ الرَّحِم, ويطعمُ المسكين, فهل ذاك نافعُه؟ قال: "لا ينفعُه, إنه لم يقل يومًا ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين". والمراد أنّه لم يكن موحدًا, ولذا لم ينفعه ما جاء به من عملٍ صالح, ولو كثر وعظم.

وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطُكَ وينصرك فهل نفعه ذلك قال "نعم, وجدتُه في غَمَراتٍ من النار فأخرجته إلى ضحضاح"

ورغم أن نصرةَ النبي -صلى الله عليه وسلم- والغضب له والذود عنه من أعظم الأعمال الصالحة وأجلها عند الله إلا أنها لما لم تكن مبنية هنا على التوحيد لم تنفع صاحبها شيئًا, ولم تصرف عنه دخول النار والخلود فيها...

فتحقيق التوحيد وإقامَتُه عند أهل الطائفة المنصورة أصلحُ المصالح وأعلاها, والتفريطُ فيه وتضييعُه بالتلبس بضده وهو الشرك أفسد المفاسد وأشدها وأعظمها, ولذا كانت مصلحة تحقيقِ التوحيد خارجةً تمامًا عن نطاقِ قاعدة الموازنات التي تكلمنا عليها, إذ ليس هناك على الإطلاق مصلحة أعظم من مصلحة تحقيق التوحيد لتُقّدَّمَ عليه, بل ليس هناك مصلحة تدانيه او تقترب منه فضلاً عن أن تكون هناك مصلحة تجاوزه وتتقدم عليه, كما أنّه ليس هناك مفسدة أعظم وأشد من مفسدة تضييع التوحيد, والتفريط فيه بالتلبس بضده من الشرك, فتحقيقُ التوحيد أعظم مصالح الدعوة بإطلاق كما أن تضييعه والتفريط فيه أفسد المفاسد بإطلاق.

ما لم يك التوحيدُ أصلاً راسخا
للعابدين فكل فرع فاسـد
أرأيت بنيانًا تطـاول أهلــه
في رفعه والأس هـار هامد

وصحَّ أنّ قريشًا أرسلَتْ عتبة بن ربيعة, وهو من ساداتها, إلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فأتاهُ فقال له "يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطَة في العشيرة والمكان في النسب, وإنك قد أتيت قومَكَ بأمرٍ عظيم فرّقت به جماعتهم, وسفهت به أحلامهم, وعبت به آلهتهم ودينهم, وكفَّرتَ به من مضى من آبائهم, فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضا.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل يا أبا الوليد أسمع» قال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً, وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك, وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا, وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: «أفرغت يا أبا الوليد ؟» قال نعم. قال «فاستمع مني» قال أفعل. قال: {بسم الله الرحمن الرحيم , حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وهو يقرأها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك»".

ولا شكّ أن عشر معشار هذه العروض, فضلاً عن ذات العروض نفسها؛ هي مما يسيل له لعابُ الكثيرين اليوم من الحريصين على مصلحةِ الدعوة, لا سيما وقد يقال إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان بإمكانه بعد أن يستجيب له سادات قريش وزعماؤها, وبعد أن يُذعنوا له بالسيادة والُملك وبعد أن يُسلموا له زمام وقياد أمرهم, وبعد أن يتأكدّ هو -صلى الله عليه وسلم- من استحكام الأمر في يديه -أن يستخدم هذا كله ويوظفه لتحقيق مصلحة الدعوة, وهذا بلا شك أسهل وأهون من البداية بالدعوة من حيث لا شيء. غير أن هذا هو فهم من لم يفهم حقيقة الدعوة, رغم حرصه الشديد على مصلحتها, فما كان للدعوة أن تسير ولو لحظة واحدة تحت شعار آخر غير "لا إله إلا الله" لفظًا ومعنى, فتُنْفَى العبادة في أي صورة من صورها عن كلِّ المعبوداتِ الباطلة التي تُنازعُ اللهَ سلطانه, ويُفرَدُ اللهُ وحدَهُ بالعبادة في كل صورها ومعانيها الظاهرة والباطنة, مع البراءة من الشرك وأهله. ولذا كان رده -صلى الله عليه وسلم- قويًّا حاسمًا قاطعًا كلَّ أمل المشركين في صرف الدعوة وحرفها عن جوهرها.

وتأمل بعين البصيرة وعين البصر حديثَ أمِّ سلمة -رضي الله عنها- حين قالت "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جارٍ النجاشي أمِنَّا على ديننا, وعبدنا اللهَ لا نؤذى, ولا نسمع شيئا نكرهه, فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين, وأن يُهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة, وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأُدُم فجمعوا له أدمًا كثيرًا, ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية, ثم بعثُوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم, وقالوا لهما؛ ادفعوا إلى كلِّ بطريق هديتَه قبل أن تكلموا النجاشيَّ فيهم, ثم قدموا للنجاشي هداياه, ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار, وعند خيرِ جار, فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديَّته قبل أن يكلما النجاشي, ثم قالا لكل بطريق منهم إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم, وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم, وقد بعثَنَا إلى الملك فيهم أشرافُ قومِهم ليردهم إليهم, فإذا كلمنا الملكَ فيهم فتشيروا عليه بأن يُسلّمهم إلينا ولا يكلمهم؛ فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلمُ بما عابوا عليهم. فقالوا لهما نعم. ثمّ إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما, ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد صب






[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نهلـــــة
مشرفة القسم العام
مشرفة القسم العام
avatar









الجنس : انثى
عدد المساهمات : 1667
تاريخ التسجيل : 11/02/2011
الموقع : بلاد النيل


مُساهمةموضوع: رد: سلسلة لا يضرهم من خذلهم(الجزء 2)   الأحد أكتوبر 02, 2011 9:50 am

بارك الله فيك اخي
وجزاك الله خيرا








لن أستطيع تغيير الماضي،

ولستُ الآن قادرةً على أن أعلم
ما سيجيء، فلماذا أندم أو أقلق ؟!







[b][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

كتاب نهاية العالم
[/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو الوليد
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 605
تاريخ التسجيل : 14/08/2011
mms

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة لا يضرهم من خذلهم(الجزء 2)   الأحد أكتوبر 02, 2011 9:52 am

شكرا على مرورك الطيب






[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سلسلة لا يضرهم من خذلهم(الجزء 2)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الاحرار  :: المنتدى الاسلامي العام-
انتقل الى: