منتدى الاحرار
السلام عليكم ورحمة الله

اهلا وسهلا بك زائرنا في منتدى الاحرا ر

نتشرف ان تكون احد افراد اسرة المنتدى

والتسجيل معنا في المنتدى

منتدى الاحرار

اهلا وسهلا بك يا زائر في منتدى الاحرار
 
الرئيسيةلـمـشـاركـات الـجـديـدةمركز رفع الصوراليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اهلا وسهلا بجميع اعضاء وزوار منتدى الاحرار نتمنى لكم قضاء اسعد الاوقات معنا ....... ادارة المنتدى
رسالة الى زوارنا الكرام إخواني زوار منتدى الاحرار الأعزاء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته....وبعد ... يوجد قسم افتتح من أجل أن تتواصلون معنا ويطيب لنا أن تسجلوا لنا انطباعاتكم ومرئياتكم عن المنتدى في هذه الصفحة وماذا يجب علينا تجاهكم وتجاه الأعزاء الأعضاء والأصدقاء معنا في المنتدى وما تودون رؤيته في منتدانا ونتمنى منكم تسجيل ملاحظاتكم أو ماترغبون في إضافته أو الاهتمام بها أو طرح فكرة معينة تريدون تحقيقها طبعاً الكتابة هنا لاتحتاج لتسجيل عضوية , فقط اذكرلنا اسمك الصريح , أو الاسم المستعار لتسجيل كلمة تفضلوا هـــنـــــا  

شاطر | 
 

 سلسلة لا يضرهم من خذلهم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو الوليد
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 605
تاريخ التسجيل : 14/08/2011
mms

مُساهمةموضوع: سلسلة لا يضرهم من خذلهم   الجمعة سبتمبر 30, 2011 12:55 pm

سلسلة لا يضرهم من خذلهم
القتالُ قَدَرُ الطائفةِ المَنصُورَة (الجزء1)

الحمدُ للهِ معزِّ الإسلامِ بنصره, ومُذلِّ الشركِ بقهره, ومصرِّف الأمور بأمره, ومستدرجِ الكافرين بمكره, الذي قدر الأيام دولاً بعدله, وجعل العاقبة للمتقين بفضله. والصلاةُ والسلام على من أعلى اللهُ منارَ الإسلامِ بسيفه... أمَّا بعد:
فإنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى خلقَ الخلق لعبادته واتّباعِ شريعته, ولم يتركهم هملاً؛ بل أرسل إليهم رسلاً يدعونهم إليه, ويدلونهم عليه, فانقسم العبادُ إلى فريقين؛ فريقٍ هداهُ الله بفضله ورحمته, وفريقٍ أضلّهُ اللهُ بعلمه وعدله. ومضى قدرُ الله وجرت سنته أن يقع التدافع والصراع بين هاتين الفريفين؛ الحقِّ وأنصاره, والباطلِ وأعوانه, وذلك على مر العصور, وكرِّ الدهور, وإلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومن عليها, (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً). وذلك أن الحقَّ والباطل ضدان لا يجتمعان أبدًا, فوجودُ أحدِهما على أرض الواقع يستلزم -ولا بد- محوَ الآخر أو إضعافه, بتجريده من الأسس التي يرتكزُ عليها, والمبادئِ التي قيامه بها. فلا يتصور في ميدان الواقع أن يتعايشَ الحق والباطل معًا على أرضٍ واحدة من دون غلبة لأحدهما على الآخر, أو سعيٍ لتحقيق هذه الغلبة. ولو فُرضَ أن الحق استكان حقبة من الزمن, وأحجَمَ عن مزاحمة الباطل ومدافعته؛ فإن الباطل لن يقابل هذه الاستكانةَ إلا بصولةٍ يستعلي بها على الحق وأهله, يروم من خلالها النيلَ منهم والقضاءَ عليهم, أو على الأقل تجريدهم من أهم ما يميزهم عن الباطل وأهله, عبر سلسلةٍ من التنازلات والتي لا تبقي لهم من الحق غير اسمه, ومن منهجه غير رسمه؛ ليغدو في نهاية المطاف جزءًا من مملكة الباطل, وذيلاً من أذياله, و بئست النهاية.
والقرآنُ الكريم يزخر بالآيات التي تُقررُ هذه الحقيقة وتأصِّلها. يقول الله سبحانه وتعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) إنها حقيقةُ المعركة بين الحق والباطل, حقيقةٌ ثابتة مستقرة, لا تتغير بتغير الزمان, ولا تتبدل بتبدلِ المكان, فليس لأهل الأيمان من الرسل وأتباعهم عند ملل الكفر قاطبة إلا أحدُ سبيلين؛ إمّا أن يُخْلُوا لهم الأرض بالقتلِ والتصفية والتشريدِ والطرد والإبعاد؛ ليعيثوا فيها كفرًا وفسادًا, وإما أن يتنازلوا عن الحقِّ الذي معهم, ويستسلموا للباطل وحزبه, ويذوبوا في مجتمعهم. وهذا ما تأباه طبيعة هذا الدينِ لأتباعه.
وقال تعالى: (كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ).
وقال تعالى: ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ).
وقال تعالى: ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ).
وقال تعالى: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ).
يقول سيِّد رحمه الله: ( وهذا التقرير الصادق من العليم الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث على الشر, وعلى فتنة المسلمين عن دينِهم, بوصفها الهدفَ الثابت المستقر لأعدائهم, وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة في كل أرض, وفي كل جيل. إن وجود الإسلام بذاته هو غيضٌ ورعب لأعداء هذا الدين, وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواتُه, ولكن الهدفَ يضل ثابتًا؛ أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينِهم إن استطاعوا, وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحًا غيره, والخبر الصادق من العليم الخبير قائمٌ يحذرُ الجماعة المسلمة من الاستسلام وينبهها إلى الخطر, ويدعوها إلى الصبر على الكيد , والصبر على الحرب, وإلا فهي خسارةُ الدنيا والآخرة, والعذابُ الذي لا يدفعه عذرٌ ولا مبرر) ا.هـ.
وتأمَّل قوله تعالى: ( قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ) فرغم إقرار الباطل بضعف أهلِ الحق المادي, وخلوِّهم من أسباب القوة؛ فليس غير القوة الغاشمة التي لا تعرف أي معنى للرحمة, ولا تأبه بأي رابطة ( وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ). بل عندما طلب منهم نبيهم شعيب -عليه الصلاة والسلام- أن يتركوهُ والطائفةَ التي آمنت معه, ويصبروا إلى أن يكون الله وحده هو الذي يحكم بين الطائفتين بأمر قدري من عنده سبحانه -أبوا إلا خيار الطاغوت في كل زمان ومكان, مع الحق وأهله؛ إما الطرد والإبعاد والقتلُ والنكال والعذاب, أو الفتنة عن الدين.
وقال الله تعالى حكايةً عن شعيبٍ عليه السلام: ( وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ) فالباطل لا يطيق وجود فئة تؤمن بالله وبرسالتِه في ديارِهم, وإن كانْت هذه الفئة فئةً ضعيفة, مجردةً من كلِّ أسبابِ القوَّةِ الماديّة, بل ولو كانت هذه الفئةُ تدعو الباطلَ إلى الصبرِ إلى أن يكون الله هو الحكمُ بما يقدره بينهما.
وقد اقتضت حكمةُ الله -سبحانه- ابتلاءً لعباده وتمحيصًا لهم؛ أن يتسلط الباطلُ وحزبُه على الحقّ وأهله تسلطًا قدريًّا. قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ). وهذا قضاءٌ كوني واقعٌ لا محيص عنه, ولا دافع له, فكل من استمسك بغرز هذا الدين , وأخذ على عاتقه تطبيقَ حكمه بين العالمين؛ فلا بد أن ينالهُ قسطٌ من ذلك التسليط, ونصيبٌ من تلكم العداوة. ويتضحُ ذلك جليًّا في قول ورقة بن نوفل للنبي -صلى الله عليه وسلم- (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي) . فكل من سار على درب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابِهِ رضوان الله عليهم, ودعا إلى مثل ما كانوا عليه؛ فلا بدَّ أن يناله نصيب من العداوة, ويصيبَه شيء من الأذى من الباطل وأهله بحسب حاله والتزامه بمنهجهم. ومنشأ هذه العداوة وسببُها؛ أن مجرد رؤيةِ أهل الباطل لأهل الحق, وإن كان الحق في أضعف حالاته وأعجزها -تذكر أهل الباطل بباطلهم, فتقطع عليهم نشوتهم, وتنغصُ عليهم تمتعهم بشهواتِهم, وتوقفهم مع أنفسهم لتفضح هذه الأنفس, وتبينَ ضعفها, وزيف قوتها وذلتها, حيث غدت عبدة ذليلة مهانة لشهواتها وأهوائها.
وقال تعالى: ( قلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) فنقمتهم على المؤمنين, كما هو صريحُ الآية, لا سببَ لها غيرَ قيامِ المؤمنين بدينهم, وتمسُّكِهم به, مع عدم قدرتهم على فعل الشيء نفسه؛ لفسقهم المانع لهم من ذلك. وهذا مما يملأُ قلوبَ أهل الباطل حقدًا وغيضًا تتقطع معه قلوبهم, وتتحرق معه نفوسهم. حيثُ هذا العلو والسمو والذي لا يستطيعونه يذكرهم ويشهد عليهم بانحطاطهم وسفلهم, فيودون أن لو فتن أهل الحق عن حقهم وشاركوهم في باطلهم, كما قال العليم بمكنون صدورهم: ( وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ) ولذا فإن أهل الباطلِ لا يجدون أمامهم فرارًا مما يجدون غير التمادي في سياسة البطش والتنكيل والتشريد والتقتيل, غير مراعين لحرمة ولا حافظين لعهدٍ ولا ذمة تشفيا من الحق وأهله وإرضاءً لأنفسهم المهزومة, وانتصارًا لها.
وإذا كان قد سبق في قضاء الله معاداةُ الباطل للحق وأهله وتسلطهم عليهم بأنواع الأذى وألوان العذاب؛ فقد أمر سبحانه أولياءه بإشهار سيف العداوة والبغضاء في وجه الباطل وأهله, ورفعِ لواء البراءَةِ من الكفر وحزبه. قال سبحانه: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ). قال الشيخ حمد بن عتيق -رحمه الله- (وهاهنا نكتةٌ بديعة في قوله تعالى ( إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) وهي أن الله تعالى قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله؛ لأن الأول أهم من الثاني, فإنه قد يتبرأ من الأوثان, ولا يتبرأ ممن عبدها, فلا يكون آتيًا بالواجب عليه. وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم) إلى أن قال ( فعليك بهذه النُكت؛ فإنها تفتح بابًا إلى عداوة أعداء الله, فكم إنسان لا يقع منه الشرك, ولكنه لا يعادي أهله, فلا يكون مسلمًا بذلك إذ ترك دين جميع المسلمين. ثم قال تعالى (كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) فقولُه "بدا" أي ظهر وبان. وتأمل تقديمَ العداوة على البغضاء لأن الأولى أهمُّ من الثانية. فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم, فلا يكون آتيًا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء, ولا بد أيضًا من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بينتين) ا.هـ.
وقد اتخذ جهادُ أهل الحق للباطل أشكالاً متنوعة, وصورًا متعددة, فتارة يكونُ بالقلم والبيان, وهو جهاد أهل الحق للمنافقين وأهل الزيغ والمبتدعين؛ بكشف خبيئتهم, وتبيين باطلهم, وزيفِ مذهبهم. قال تعالى: (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ).
وتارةً يكون بالسيف والسنان, وهو جهادُ أهل الحق للكفرة والمرتدين؛ حتى يدخلوا في الإسلام, أو يخضعوا ويُذعنوا لحكمه. قال تعالى: ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ). وقال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ ).
وأهلُ الحق يمارسون الجهاد بنوعيه؛ جهادَ البنان, وجهادَ السنان. ولكنهم يوقنون أن هذا الحق الذي يحملونه لا بد له من درع يحميه, وقوة تنصره وتسانده, وإلا فَقَدَ محله من العقول وتأثيره في القلوب مهما كانت حججه قاطعة وبراهينه ساطعة. ولهذا أمر اللهُ سبحانه أهلَ الحقِّ بإعداد القوة لإرهاب أهل الباطل ومنعهم من التحرش بأهل الحق والتعدي عليهم. قال تعالى: ( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ ).
ولهذا كان دينُ الله الحق يقومُ على الكتابِ و السيف, فالإسلامُ دين الحق لا يقوم إلا على ساقين؛ علمٍ وجهاد, فإذا اختل أحدهما؛ اضطرب حبله وفسد نظامه وتمكن منه أعداؤه يفعلون به ما يشاءون. فإن قوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر كما قال الله تعالى: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ).
ولقد أحسن من قال في مثل هذا:
وَما هُوَ إِلّا الوَحيُأَو حَدُّ مُرهَفٍ
تُزيلُ ظُباهُ أَخدَعَيكُلِّ مائِـلِ
فَهَذا دَواءُ الداءِمِن كُلِّ عـالم
وَهَذا دَواءُ الداءِمِن كُلِّ جاهِل

فالعاقِلُ ذو الفطرة السليمة ينتفع بالبينة, ويقبل الحق بدليله, أما الظالم التابع لهواه فلا يردَعُه إلا السيف. فالحقُّ الذي لا يملكُ القوّةَ ليطبقَ في واقع الحياة, ودنيا الناس؛ حقٌّ ضائع مهما بلغت براهينُه, وقوَّةُ حججه, وسطوعُ أدلته, بل وكونُه البيانَ الذي لا يقهر, والحقَّ الضائع لا معنى له ولا قيمة حيث يظل حبيسًا مقهورًا لا يجد الناسُ له أثرًا, ولا يسمعون له صوتًا إلا همهماتٍ ضعيفة مشوهة بفعل الباطل وعلوه.
متى تملك القلب الزكيّ وصارمًا وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالم.
وقد قال الفاروق المحدثُ الملهم -رضي الله عنه-: ( لا ينفعُ كلمة حقٍّ لا نفاذ لها) وأولى الناس وأحقهم بالعلم هم أهل الجهاد, وأولى الناس وأحقهم بالجهاد هم أهل العلم. وهذا ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في الأثر ( صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس, العلماءُ والأمراء).
وما أدق قول الغزالي رحمه الله: "إن الدنيا مزرعةُ الآخرة, ولا يتم الدين إلا بالدنيا, والملك والدين توأمان, فالدينُ أصلٌ والسلطان حارس. وما لا أصل له فمهزوم, وما لا حارس له فضائع" ا.هـ.
دعا المصطفى دهرًا بمكة لم يجب وقد لان منه جانب وخطاب
فلما دعا والسيفُ صلتٌ بكفـه له أسلموا واستسلموا وأنابوا
والنبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالكتاب والسنة والدعوة إليهما هو كذلك صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالسّيف وأمر به وحرض عليه قولاً وفعلاً. قال صلى الله عليه وسلم: (بُعثتُ بين يدي الساعةِ بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له, وجُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي, وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري, ومن تشبه بقومٍ فهو منهم) وقد قال صلى الله عليه وسلم أيضًا: (إن الله أمرني أن أحرق قريشا. فقلت: رب! إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نُغْزِك. وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك ). وهو صلى الله عليه وسلم القائل: (والذي نفس محمد بيده لوددتُ أن أغزو في سبيل الله فأقتل, ثم أغزو فأقتل, ثم أغزو فأقتل ).
إن حياته صلى الله عليه وسلم كانت تمازُجًا لا يقبلُ الانفكاك بين التعليم والدعوة وبين القتال في سبيل الله, حتى أنه صلى الله عليه وسلم خرج بنفسه للغزو سبعًا وعشرينَ مرة مدةَ العشر سنوات التي قضاها عليه الصلاة والسلام في المدينة. أي بمعدل ثلاثِ مراتٍ في السنة الواحدة. فضلاً عن السرايا التي أمر بإرسالها ولم يخرج معها.وهذا يوضح بجلاءٍ أنّ القتالَ في سبيلِ الله هو المحور الذي كانت تدور عليه حياةُ الصدرِ الأول.
ومن أسمائه التي سُمي بها صلى الله عليه وسلم؛ الضَّحوكُ القتَّال. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (اسمه في التوراة أحمد, الضحوك القتال, يركبُ البعير, ويلبسُ الشملة, ويجتزئ بالكسرة, سيفه على عاتقه).
قال الماوردي -رحمه الله- وهو يتحدث عن فضائله صلى الله عليه وسلم: "منها؛ انتصابه لجهاد الأعداء وقد أحاطوا بجهاته, وأحدقوا بجنباته, وهو في قطر مهجور, وعدد محصور, فزاد به من قل, وعز به من ذل, وصار بإثخانه بالأعداء محبورًا, وبالرعب منه منصورًا. فجمع بين التصدي لشرع الدين حتى ظهر وانتشر, وبين الانتصاب لجهاد العدو حتى قهر وانتصر, والجمعُ بينهما مُعوِزٌ إلا لمن أمدَّهُ اللهُ بمعونته, وأمدَّهُ بلُطفِه). ا.هـ.
وهذا التمازج الذي لا يقبل الانفكاك بين الكتاب والسيف, الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم, هو ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم من طبيعةِ هذا الدين وما جاء به. وقد قال تعالى: ( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( وسيوفُ المسلمين تنصر هذا الشرع وهو الكتاب والسنة، كما قال جابر بن عبد الله‏:‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا ـ يعني السيف ـ من خرج عن هذا ـ يعني المصحف ) ا.هـ.
ومن ثم فالإسلام يُسجل تاريخ عزِّهِ, ويسطر صفحات مجده أهلُ العلم المجاهدون, ولقد كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم, وهم من سجلوا مجد صدر هذه الأمة علماءً دعاةً مجاهدين لم يُقْعِدهم العلمُ عن الدعوةِ والجهاد, بل كان علمهم وجهادهم متلاحمين متمازجين أعظمَ ما يكون التلاحم والتمازج. فكان المجد في أعقابهم, والعزُّ في إثرهم, وكان علمُهم حجة لهم لا عليهم. وهكذا كان دور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, وهذا كان أملهم هداية الخلق إلى الحق مع تقويم من أعرض وتعدى, لا عملَ لهم في حقيقةِ الأمر إلا هذا. فلما توفي صلى الله عليه وسلم خرجت جموع الصحابةِ لقتال من ارتدّ من العرب عن الإسلام, ثم ما لبثوا أن انتشروا في الآفاق دعاةً مجاهدين يبلغون الإسلام بسيوفهم وبيانهم.
ولقد حضَرَ حجَّةَ الوداع مع الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة ألف من الصحابة رضي الله عنهم, بينما المدفونون في البقيع منهم لا يجاوز عددهم المئتين وخمسين صحابيًّا, أما الكثرة الكاثرة فقد قضوا نحبهم في بلاد الله البعيدة جهادًا في سبيل هذا الدين وتمكينًا له في الأرض...!
قال الإمامُ الأوزاعي رحمه الله: "كان يقال؛ خمسٌ كان عليها أصحابُ محمد والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة, واتباع السنة, وعمارة المسجد, وتلاوة القرآن, والجهاد في سبيل الله" ا.هـ.
ولقد سار على نهج الصحابة واقتفى أثرهم بين العلم والدعوة والجهاد أئمة الطائفةالمنصورة التابعونَ لهُم بإِحسانٍ ليبرهنوا على عظمة هذا الدين في صنعِ الرِّجال, وأنها عظمة تتجاوز حدودَ الزمانِ والمكان. فما أروعَ أن يُسَجِّل العالِمُ مجدَ الإسلام وعزَّهُ بمداده ودمه, والنماذج هنا كثيرةٌ جدا يضيق المقام بذكرها.
فهذا الإمام العلم سيد التابعين سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى- أحد فقهاءِ المدينة السبعة خرج إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنَّك عليل!. فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل. فإن لم يمكنني الحرب كثَّرتُ السواد, وحفظتُ المتاع.
وقال العزي في ترجمة المحدث الكبير أبي إسحاق الفزاري -رحمه الله- قال: "كان ثقةً صاحبَ سنة, صالحًا, هو الذي أدَّب أهل الثغر وعلمهم السنة , وكان يأمر وينهى, وإذا دخل الثغرَ رجلٌ مبتدعٌ أخرجه".
وقال الذهبي في ترجمة عبد الله بن المبارك: "الإمامُ الحافظ العلامة شيخ الإسلام فخر المجاهدين قدوة الزاهدين, أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم المروزي, والله إني لأحبه في الله, وأرجو الخير بحبه, بما منحه الله من التقوى, والعبادةِ والإخلاص والجهاد, وسعةِ العلم والأثقال والمواساة والفتوة والصفات الحميدة. وعن محمد بن فضيل قال: رأيت عبد الله بن المبارك في المنام, فقلت: أي الأعمال وجدتَ أفضل؟ قال: الأمر الذي كنتُ فيه. قلتُ: الرباط والجهاد؟ قال: نعم"
وقال الذهبي في ترجمةِ أسد بن الفرات رحمه الله تعالى: "الإمامُ العلامة القاضي الأمير مقدَّمُ المجاهدين, وكان مع توسُّعِه في العلم فارسًا بطلاً شجاعًا مقدامًا, زحف إليه صاحب صقلية في مئةِ ألفٍ وخمسين ألفًا. قال رجل: فلقد رأيتُ أَسدًا وبيده اللواء يقرأ سورة يس, ثم حمل بالجيش فهزم العدو, ورأيتُ الدم وقد سال على قناة اللواء, وعلى ذراعه, ومرض وهو محاصِرٌ شركسية"
وقال الذهبي في ترجمة أبي العرب: "محمد بن أحمد بن تميم, العلامة المفتي, ذو الفنون, كان أحد من أخذ الخروج على بني عبيد في ثورة أبي يزيد عليهم. ولما حاصروا المهدية, سمع الناس على أبي العرب هناك كتابين إمامه لمحمد بن السحنون, فقال أبو العرب: كتبت بيدي ثلاثة آلاف وخمسمئة كتاب, فو الله لقراءة هذين الكتابين هنا أفضلُ عندي من جميع ما كتبت."
وقد ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى أنه في هذا الخروج على الدولة العبيدية لم يتخلّف من فقهاء المدنيين المشهورين إلا أبو ميسرةَ لعماه, ولكنه مشى شاهرًا للسلاح في القيروان مع الناس لاجتماع المشيخة على الخروج.
وذكر الذهبي رحمه الله أنه في موقعة واحدة مع العبيديين استَشْهَد خمسة وثمانون نفسًا من العلماء والزهاد, ويوم أن نهضت الأمة لجهاد الصليبيين إعلاءً لكلمة الله, ثم ردًّا لأراضيها السليبة, وحقوقِها المضاعة, كانَ العلماءُ العاملون في مقدمةِ ركب الجهاد, وأُسر منهم من أُسر, وقتل منهم من قتل.
قال ابن خلكان: حتى وافى -أي السلطان- الفرنج على الرملة, وذلك في أوائل جمادى الأولى سنة ثلاثٍ وسبعين, وكانت الكثرةُ على المسلمين في ذلك اليوم, فلما انهزموا لم يكن لهم حصنٌ قريبٌ يأوون إليه, فطلبوا جهةَ الديارِ المصرية, وضلّوا في الطريق وتبددوا, وأُسر منهم جماعة, منهم الفقيهُ عيسى الهكّاري, وكان ذلك وهنًا عظيمًا جبرهُ الله تعالى بوقعة حطينَ المشهورة.
وقال ابن كثير عن هذه الوقعة: "وأُسر الفقيهان الأخوان؛ ضياءُ الدين عيسى وظهير الدين, فافتداهما السلطان بعد سنتين بتسعين ألف دينار" ا.هـ.
ولما توجَّهَ المسلمونَ لفتح بيت المقدس شارك العلماء بقوّة, حتى قيل بأنّه لم يتخلف أحدٌ من أهلِ العلم عن الحضور والمشاركةِ في الفتح. قال ابن كثير: "وطار في الناس أن السلطان عزم على فتحِ بيت المقدس, فقصده العلماء والصالحون تطوعًا, وجاءوا إليه, وكان على رأسِ هؤلاء العلماء المجاهدين للصليبيين المشاركين في فتح بيت المقدس وغيره من الغزوات -المقادسة الحنابلة خصوصًا عمدائهم الكبار رحمهم الله تعالى, كالشيخ العالم العامل الزاهد القدوة أبي عمر المقدسي, وأخيه الإمام الموفق صاحب المغني, وابن خالهم الحافظِ الكبير عبد الغني, وأخيه العماد" ا.هـ.
وأما جهادُ شيخ الإسلام ابن تيمية للتتار فهو علمٌ في رأسه نار. قال ابن كثير -رحمه الله- في كلامه على هجوم التتار على دمشق: "وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يدور كل ليلة على الأسوار يحرض الناس على الصبر والقتال, ويتلو عليهم آياتِ الجهاد والرِّباط".
وقال عنهُ الذهبي: "نصرَ السنة بأوضح حجج وأبهر براهين, وأوذي في ذات الله من المخالفين, وأُخيف في نصر السنة المحضة, حتى أعلى الله مناره, وجمع قلوب أهل التقوى على محبته, والدعاءِ له, وكبس أعدائه, وهدى به رجالاً كثيرة من أهل الملل والنحل, وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا, وعلى طاعته, وأحيى به الشام, بل الإسلام بعد أن كان ينثلم, خصوصًا في كائنة التتار. وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي, فلو حلفتُ بين الركنِ والمقام؛ لحلفت أني ما رأيت بعينيَّ مثله, وأنه ما رأى مثل نفسه" ا.هـ.
أما الفصلُ بين العلمِ والجهاد, والدعوةِ باللسان والدعوة بالسنان, فحاشا أن يكون منهجَ الطائفةِ المنصورة, إذ هو فصامٌ نكد, وطامّةٌ كبرى, وبدعةٌ منكرة, ودخنٌ في الدين, أورث ما يُدمِي القلب, ويُدمِع العين, ويملأ النفوس حسرة وأسى.
وإن المتأمِّلَ لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليَلحَظُ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنذ مطلع فجر هذه الدعوة يسعى لامتلاك أسباب القوة, ويتجلى ذلك واضحًا في عرضه -صلى الله عليه وسلم- نفسَهُ في تلك المرحلة المكية على القبائل بُغيَةَ أن يجدَ قبيلةً تقومُ دونَه بسيوفِها, وتقاتلُ عنه ليتمكنَ من المضي في أمر ربه.
قال أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "لما أمرَ الله نبيَّهُ أن يعرضَ نفسه على قبائل العرب؛ خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب, وتقدَّمَ أبو بكر, وكان نسّابة. فقال: من القوم؟ فقالوا: من ربيعة. قال علي ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينةُ والوقار, فتقدّم أبو بكر, وكان مقدَّمًا في كل خير وقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبه. فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما وراء هؤلاء القوم غر هؤلاء غرر الناس ! وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمانُ بن شريك، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم ؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة، فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم ؟ قال مفروق: علينا الجهد، ولكل قوم جَد؛ قال أبو بكر: كيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشدُّ ما نكون غضبًا حين نلقى، وإنّا لأشدُّ ما نكون لقاءً حين نغضب، وإنا لنؤثرُ الجيادَ على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصرُ من عند الله، يديلنا مرة، ويديلُ علينا أخرى. لعلك أخو قريش؟ قال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فها هو ذا. قال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، قال: فإلام تدعو يا أخا قريش؟ قال: أدعوكم إلى شهادة ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسولُ الله, وأن تؤووني وتنصروني، فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله، فكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق. فقال المثنّى: قد سمعتُ مقالتك يا أخا قريش, وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك, فإن أحببتَ أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالضد, وإن دين الله لن ينصرَهُ إلا من أحاطه من جميع جوانبه.
والحديثُ ظاهر الدلالة بأنه صلى الله عليه وسلم كان ينشد السيف الذي ينصر به دعوته, بل لما أعلن القوم استعدادهم أن ينصروه صلى الله عليه وسلم من العرب دون الفرس؛ رفض صلى الله عليه وسلم مبايعتهم مصرًّا أن تكونَ النصرة بالسيف مصلتة على كل من قد يقف أمام الدعوة من عرب أو عجم.
ألا فليتأمل الذين يريدون نصرة الدين بقتال الصليبيين دون قتال أعوانهم من بني جلدتنا من المرتدين, ألهم في هذه النصرة حظٌّ أو نصيب؟.
إنما أمر الله سبحانه وتعالى من البراءةِ من المشركين والعداوةِ للكافرين له صور متنوعة, وأشكال متعددة, لكن أعظم مظاهره وأبرزَ معالمه على الإطلاق هو القتالُ والجهادُ في سبيلِ الله, ولكنه شاقٌ عسير على النفوس, ولذلك لم يتصدّ لهُ إلا طائفةٌ من أهل الحقّ اصطفاها الله سبحانه وتعالى. هذه الطائفة خطت لنفسها المضي في طريقٍ تقاعسَ عنه الجمُّ الغفير, وأحْجَمَ عن سلوكِ دربه الكثير. طريقٍ مكروهٍ لقلوب البريات, محبوبٍ لخالق الأرض والسماوات. طريقٍ قامت أرضهُ على الجماجم والأشلاء, ورُويت تربته بطاهر الدماء. طريقٍ بدايته آلام ومشاق وأحزان, وخاتمته نعيمٌ وراحةٌ وغُفران. طريقٍ السير فيه عظيمُ التكاليف؛ مفارقةٌ للأهل والأوطان, هجر للأحباب والخلان, هجرة للواحد الديان. طريقٍ كَثُرَ عنه المخذلون, وعَظُم فيه المخالفون. طريقٍ مُمِحِّصٍ للقلوب, وفاضحٍ للنُّفوس... إنّه طريقُ القتال, وسبيلُ النِّزال, يا لَهُ من طريق موفّقٌ من هُدِي لسلوكه, محرومٌ والله من ضلَّ عن سبيله.
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزالُ طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحقِّ ظاهرين إلى يوم القيامة).
وعن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتلُ عليه عصابة من المسلمين حتى تقومَ الساعة).
ومن حديث عقبةَ بن عامر رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال عصابةٌ من أمتي يقاتلون على أمرِ الله قاهرين لعدوهم, لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك).
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تزالُ طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوئهم, حتى يقاتل آخرُهم المسيحَ الدجال).
كلماتٌ من نور الوحي ومعين الرسالة ترسم بريشة الحقيقة سبيل هذه الطائفة المصطفاة, وتحددُ معالم طريقها, وعنوانَ منهجِها, ودامغةً في الوقت نفسه كل متخاذل من أهل فقه الذل والصغار, وتقعيد الخنوع للواقع وضغطه, فالقتال في سبيل الله شرطُ الطائفةِ المنصورة, وأساس صحة الانتسابِ إليها, وإن رغمت أنوف!.
إنه القتال قدرُ كل من أراد الانتساب لهذه الطائفةالمنصورة. وقولهُ صلى الله عليه وسلم (لا تزال) و (يقاتلون) و (حتى يقاتل آخرهم الدجال) يدلُّ على أن هذه الطائفةَ المقاتلة طائفةٌ ممتدة كحبَّاتِ العقد يأخذ خلفُها عن سلفِها, ويفضي سابقها للاحقها في تتابع واتصالٍ تامين ليس بينهما فراغ؛ لتظل الرايةُ مرفوعة دائمًا وأبدًا, فهي وحدةٌ واحدة لها أول ولها آخر عبر عمر الأمة كله.
وقد ترجم كثيرٌ من الأئمة لأحاديث الطائفةالمنصورة بما يدل على ما ذكرناه من كون القتال قدر الطائفةالمنصورة. قال الإمام أبو داود في سننه (باب في دوام الجهاد). وقال ابنُ الجارود رحمه الله في المنتقى (باب دوام الجهاد إلى يوم القيامة).
هذا القتال هو أخص أوصافِ أهل هذه الطائفةالمنصورة, وألصقُها بهم, فهو شعارهم ودثارهم, وهو دنياهم وآخرتهم, وهو فراغهم وشغلهم, وهو حلهم وترحالهم, عكفوا عليه, وتنادوا إليه, فكان التسابق زرافاتٍ ووحدانًا. قال تعالى: ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).
وقال تعالى: ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ).
وقد جاء التعبير عن هذه الصفة الحَدِّية من صفات الطائفةالمنصورة بلفظ القتال, ولم يأت بلفظ الجهاد, قاطعًا الطريق على من أُشربوا في قلوبهم حبَّ التأويل -والذي حقيقته التحريف- ليمنعهم من تحريف هذه الصفة عن حقيقتها إرضاءً لشهواتِهم وخضوعًا لشبهاتهم, وليضعَهم في مواجهَةِ أنفسهم مواجهةً يتبعُها إما القيام بأمر الله وتحقيق شرط صحة النسبة للطائفة المنصورة وأهلها, وإما التخاذل والتقهقر وبطلان النسبة وانكشاف الادعاء.
بل وقع في بعض روايات الحديث أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للقتال إنما هو لزعم بعضهم ألاَّ جهاد وأن الحرب قد وضعت أوزارها. فعن سلمة بن نفيل الكندي رضي الله عنه قال: كنتُ جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال رجل: يا رسول الله أزال الناسُ الخيل, ووضعوا السلاح, وقالوا لا جهاد, قد وضعتِ الحرب أوزارها. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال: "كذبوا, الآن جاء القتال. ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق, ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة, وحتى يأتي وعدُ الله, والخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
إنه قدرُ القتال, وسبيلُ المواجهة مع الباطل حقيقةٌ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصدع بها في وجه أعدائه والدعوة في أصعب ظروفها, وأحلك مراحلها, من قلةٍ في العدد وضعفٍ في العُدة.
قيل لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: ما أكثرُ ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر, فذكروا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط, سفّه أحلامنا, وشتمَ آبائنا, وعابَ ديننا, وفرّقَ جماعتنا, وسبَّ آلهتنا, فقد صبرنا منه على أمر عظيم. قال فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأقبل يمشي حتى استلم الركن, ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت, فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول. قال فعرفتُ ذلك في وجهه, ثم مضى. فمر بهم الثانية, فغمزوه بمثلها فعرفتُ ذلك في وجهه, ثم مضى. ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها, فقال: "تسمعون يا معشر قريش, أما والذي نفسُ محمد بيده لقد جئتُكم بالذبح" فأخذتِ القوم كلمته حتى ما منهم رجلٌ إلا كأنما على رأسه طائرٌ واقع, حتى إن أشدَّهم فيه وصاة قبلَ ذلك ليرفؤه في أحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم, انصرف راشدًا فو الله ما كنت جهولاً.
قال البيهقي رحمه الله: " وفي هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أوعدهم بالذبح وهو القتل في مثل تلك الحال, ثم صدّق الله تعالى قوله بعد ذلك بزمان فقطع دابرهم, وكفى المسلمين شرهم" ا.هـ
تلكم الحقيقة كان النبي صلى الله عليه وسلم يغرس بذورها في نفوس أصحابه ولا سيما في تلك المرحلة التي لم يؤذن لهم فيها بالقتال, وأمروا فيها بالعفو والصفح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة, فأثمر ذلك الغراس وأينعت ثمرته في نفوس الصحابة رضوانُ الله عليهم. فأدركوا حقيقةَ الصراعِ بينهم وبين الكفر, وأن هذه المرحلة مرحلةٌ مؤقتة ما تلبثُ أن تزول. وأن القتال بينهم وبين معسكر الباطل وحزبه أمرٌ كائنٌ لا محالة, ذلكم هو قدر هذه الدعوة منذ يومها الأول. وأن السيف هو الفيصلُ بينهم وبين أعدائهم, وهو من سيزيحُ هذه الرؤوسَ عن طريق الحق وأهله.
لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة من الأوس والخزرج يوم العقبة. قالوا: يا رسول الله علام نبايعك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل, وعلى النفقة في العسر واليسر, وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم, وعلى أن تنصروني إذا قدمتُ عليكم , وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم, ولكم الجنة" قال جابر رضي الله عنه: فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين, فقال: رويدًا يا أهل يثرب, إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله, وإن إخراجه اليوم مفارقةُ العرب كافة, وقتلُ خياركم, وأن تعضكم السيوف, فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله, وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذرُ لكم عند الله. فقالوا يا أسعد: أمط عنا يدك فو الله لا نذرُ هذه البيعة ولا نستقيلها. فقمنا إليه رجلاً رجلاً, فأخذ علينا وشرط يعطينا بذلك الجنة.
لله درك يا ابن زرارة على هذه المقالة! يا لها من كلمات تنبئُ عن معرفة بحقيقة الصراع بين الحق والباطل , ومنذ اللحظةِ الأولى قبل البيعة. كلماتٌ خرجت من فِيِّ من سلمت فطرتُه, ولم تلوثها تلكم المتاهات النظرية, والسفسطات الكلامية, والفلسفاتِ العقيمة.
كلماتٌ نسوقها إلى أولئك الذين ما عقلوا طبيعة هذا الدين, ولم يعوا بعدُ حقيقته, وليتهم اكتفوا بتخاذلهم وقعودهم عن الجهاد؛ لهان المصابُ إذن, ولما انشغلنا بتوجيه اللوم لهم, ولكنهم أبوا إلا أن يضفوا على هذا القعود والتخاذل الصبغة الشرعية, فخرجوا على الأمة بمناهج دخيلة على ما كان عليه سلف الأمة وعلماؤها. كانت بمنزلة معول الهدم في بنيان هذا الدين شعروا أو لم يشعروا, حقنوا أجساد أبناء هذه الأمة بجرعات من التخدير والتثبيط, وعقدوا على ناصية رؤوسهم ثلاثًا, وكلما هم أبناء الأمة لينفضوا غبار الذل الذي تغشاهم, ويهبوا نصرة لدينهم, ودفاعًا عن حرماتهم؛ نادوا عليهم أن ارقدوا عليكم ليلٌ طويل, إن الدواء لما ترونه في جسد أمتكم من جراح وما تحسون فيه من آلام إنما هو بأن تُغمدوا سيوفكم, وتكسروا رماحكم وتلزموا دوركم...
هكذا يُخدّرُ أبناءُ هذه الأمة! وهكذا توأد فيهم روح الجهاد. وبماذا! إنه بالسلاح الذي يستنهض به أبنائها ليحاربوا أعدائهم, يُخَدَّرون بحقن شعار التصفية, ويثبطون تحت دعاوى التربية. كلماتُ حق أريد بها باطل. عن أي تصفية يتكلمون! وهل التصفية لما التصق بهذا الدين مما ليس منه إلا بالجهاد؟ قلِّب بصرك أينما شئتَ في بلاد المسلمين, هل ترى تربَّعَ على عروشها من يحكمُ بشريعة رب العالمين؟ أو أخذ على نفسه نُصرة هذا الدين والذود عن حياضه والدفاع عن حرماته؟ لا أظن إلا وسيرتد إليك بصرك كليلا حسيرًا, ولن ترى إلا حربًا ضروسًا لتقويض بنيان هذا الدين, وسعيًا حثيثًا لاستئصال شأفة المجاهدين الصادقين, وموالاة للكافرين, وبراءةً من الموحدين, و والله ما رأينا ولا سمعنا أحدًا من هؤلاء الأدعياء قام مقام صدقٍ فكشف لأبناء هذه الأمة عوار هؤلاء الطواغيت, ولا حرض على قتالهم و وجوب جهادهم, بل ما رأينا منهم إلا إضفاء الشرعية على حكمهم, وتحريمَ الخروجِ عليهم, ونبزَ كل من يحاول جهادهم بأبشع الألقاب وأشنع الصفات.
ها قد هلك متقلد الصليب, طاغية آل سلول خائن الأمة والدين, وحامل راية لواء الحرب على المجاهدين والذي مكن للصليبيين وجودهم على جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- لينهبوا خيراتها, ويعيثوا فيها فسادًا, فما سمعنا أحدًا من هؤلاء الأدعياء كشف جرائم عدو الله, ولا ذكر مخازيه في حق الأمة في أبنائها, و والله إن ما قام به هذا الطاغية في حرب الإسلام والمسلمين لا يقل عن فعل إي طاغية من طواغيت العرب, ولكن لكل أرض حكمها, ولكل بلاد طبيعتها. بل ما رأينا منهم إلا المسارعة في مبايعة أخيه الذي تلطخت يداه بدماء إخواننا المجاهدين -ومن آخرهم الأخ المجاهد صالح العوفي وإخوانه تقبلهم الله في الشهداء.
أما بلغكم قول سفيان الثوري رحمه الله: "من دعا لظالم بالبقاء؛ فقد أحب أن يعصى اللهُ في الأرض" فكيف بمن بايع طاغيةً مرتدًّا, وبارك صنيعه؟ يا حسرة على أمة تبارك لطواغيتها قتل خيار أبنائها. لكم الله أيها المجاهدون.
إن المجاهدين لو كانوا في أمة تعرف لأبنائها حقهم, وتقدرهم حق قدرهم, لما تركوهم يمشون على الأرض ولغسّلوا عن أقدامهم. فيا أسود جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم اصبروا على ما أقامكم الله فيه, واعلموا أن الله ما ابتلاكم إلا وهو يريد بكم خيرًا. وأُقسم بالذي لا إله غيره أن دماء إخواننا لن تذهب سدى بإذن الله. ألا فارتقبوا يا طواغيت آل سلول. وإن غدًا لناظره لقريب.
أم أن التصفية التي يقصدون والتنقية التي ينشدون طباعة كتاب من هاهنا, وإخراج جزء من هناك يتكسبون الرزق من خلالها حتى أضحوا بهذه المهنة يعرفون, وبها يُسكرون ثم لتنحر الأمة بعد ذلك, ولتغتصب أراضيها, وليعتدي على مقدساتها, فبئست التصفيةُ والله!
إن الأمة اليوم لا تحتاجُ إلى مزيدٍ من المصنفات والمؤلفات, فمكتباتُها تزخر بعشرات الآلاف من المجلدات, وإنما هي في حاجة إلى مناراتٍ تضيء لها الطريق وتنير لها السبيل, بحاجة إلى قدوات يروون بدمائهم ترابَ أرضها؛ فتدب روح الحياة في صفوف أبنائها من جديد.
وعن أي تربية يتحدثون؟ وهل التربيةُ على التوحيد الصافي والكفر بالطاغوت والولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين, وبذل النفوس والمهج رخيصة فداءً لهذا الدين إلا في ساحات الجهاد وميادين القتال؟! وهل كان جل تربية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه إلا في ساحات الجهاد؟
روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: أَتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ مقنعٌ بالحديد, فقال يا رسول الله: أقاتل وأسلم؟ فقال: "أسلم ثم قاتل". فأسلَمَ ثم قاتل فقُتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عمل قليلاً وأُجر كثيرًا".
فتأمل كيف أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام ومن ثم أمره بالقتال تربية له على التضحية والفداء لهذا الدين, ولم يأمره بالرجوع إلى المدينة حتى يتربى كما يزعم هؤلاء.. وهذا في فرض الكفاية وجهاد الطلب, فكيف بالعدو الصائل وجهاد الدفع؟.
إن العلم الشريف عند أهل الطائفةالمنصورة ليس بحفظ المتون, وجمع الفنون, وكثرة التصنيف, ومجالس الوعظ والتدرس والإفتاء مع ترك القيام لله بالأمر الذي يحبه ويرضاه من صدع بحق, وأمرٍ بمعروف ونهي عن منكر, وغضبٍ صادق إذا انتُهكتْ محارم الله, وإعلاءٍ لكلمةِ الله دعوة وجهادًا. فمن كان حظه من العلم ما ذكر, مع تضييعه لواجبات الدين الكبار إيثارًا للسلامة أو إخلادًا للراحة والدعة, أو حبًّا للدنيا وتثاقلاً للأرض, أو ركونًا للذين ظلموا؛ فقد خان الرسالةَ, وضيع الأمانة, ومن ثمّ خرج عن حد العلم الشريف ورسمه, وفارق تلك القافلة المباركة؛ قافلة العلم الشريف التي يقف على رأسها الأنبياءُ والمرسلون, فأما أن ينتظمه رسمهم أو يشمله حدهم أو أن يجمعه وإياهم وصفٌ واحد. ولمثل هذا يقال: لست والله عالمًا أو حكيمًا, إنما أنت تاجرٌ في العلوم, فبغير القتال تبقى الفتنة, وهيهات أن يكون الدين كله لله. ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون.
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله: " وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرضٌ آكد ولا أولى بالإيجاب من الجهاد, وذلك أنه بالجهاد يمكن إظهار الإسلام, وأداء الفرائض, وفي ترك الجهاد غلبة العدو, ودروسُ الدين وذهابُ الإسلام" ا.هـ.
فإذا قعد أهلُ الحقِّ عن نصرة الحق, ودفعِ الباطل, وإزالتِهِ بسيوفهم, جهلاً منهم بمعاني الحق ومقتضياته ولوازمه, أو غفلة منهم عن حقيقةِ الصراع, وعن طبيعة الباطل وصفته, أو استسلامًا لقراءَةٍ فاسدةٍ في نواميس الكون وسننه الإلهية, أو خداعًا بأوهام وأمانيَّ باطلة, أو خضوعًا لمتاهاتٍ نظرية, وفلسفاتٍ جدلية, وأطروحاتٍ إنشائية, تدورُ في حَلَقة مفرغة تبدأ من حيث انتهت, وتنتهي من حيث بدأت. أو خوَرًا وضعفًا, وعجزًا عن القيامِ بالقتال وتحمُّلِ أعبائِه -فإن سننَ الله لا تُحابي أحدًا أيًّا كان, ومن ثم فليس غير الذل والهوان وفتنة المسلمين عن دينهم مع تبدُّل أحكام الدين وطمس معالمه, وتغيير حقائقه والتلاعب بها. وغير ذلك من العقوبات القدرية التي تنزل بمن خذل الحقّ وأسلمه, وهذا فضلاً عن وعيدِ الآخرة.
قال تعالى: ( إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ).
قال ابن العربي رحمه الله: " هذا تهديدٌ شديد, و وعيد مؤكد في ترك النفير, فوجب بمقتضاها النفيرُ للجهاد, والخروجُ إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا, فالعذاب الأليم هو الذي في الدنيا لاستيلاء العدو على من لم يستول عليه, وبالنارِ في الآخرة. وزيادة على ذلك استبدال غيركم, كما قال تعالى: ( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ )" ا.هـ.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ما ترك قومٌ الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب". والعذاب, كما هو ظاهرٌ من النصوص, هو عذابُ الدنيا بالذل والهوان والصغار الذي يُضرب على البلاد والعباد, وهو بعدُ عذابُ الآخرة الذي لا يقارن, به ولا يدانيه عذاب الدنيا و بئس المصير.
فإذا لم يكن لأهل الكفر مع أهل الإيمان غيرُ خيارين اثنينِ لا ثالث لهما: إما الفتنةُ عن الدين, وإما السيف. فإنه كذلك ليس لشرع الله مع المؤمنين غير خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لأمره بقتال الكفر ودفعه بحد السيف, وإما التعرض لعذاب الله وغضبه وسخطه في الدنيا والآخرة, مع استبدالهم بمن يكون أولى منهم وأجدر وأحقُّ بفضل الله. فتعيَّنَ شرعًا وعقلاً وواقعًا كونُ القتالِ قدر الطائفةِ المنصورة.
إن أصحاب الطائفةالمنصورة من أكثر الناس مراعاةً لفقه مراتب الأعمال, فهم إذا ثبت في حقهم من الفروض العينيات؛ فإنهم لا يقدمون بين يديه شيئًا من فروض الكفايات فضلاً عن غيره من المستحبات والمباحات. وبيان ذلك فيما يتعلق بشأن الجهاد والقتال؛ أن الجهاد في أصله فرضٌ كفائِي, فإذا قام به من تتحقّقُ بهم الكفاية سقط الوجوب عن الآخرين, والفضل فيه لمن قام به دون غيره. ولذا كان الاشتغال به حال كونه فرض كفاية مشروطًا بأن لا يضيِّع العبد فرضَ عين أو فرض كفاية أهمَّ منه في حقه إن وجد.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- ( قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مؤمن يجاهد بنفسه وماله".) قال ابن حجر: "وكأن المرد بالمؤمن من قام بما تعين عليه ثم حصل هذه الفضيلة, وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية, وحينئذٍ يظهر فضل المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى, ولما فيه من النفع المتعدي" ا.هـ
ويتعين الجهادُ عند أهل الطائفةالمنصورة في مواضع ثلاث:
أولاً: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان.
ثانيًا: إذا استنفر الإمام قومًا لزمهم النفير
ثالثًا: إذا نزل العدو ببلدٍ من بلدان المسلمين تعين على أهل هذه البلدة الجهاد, ويتعين على غيرهم من المسلمين عند عدم قيام أهل هذه البلدة بواجبهم في دفع هذا العدو أو عدم كفاية من قام بذلك الأقرب فالأقرب.
والحالةُ الثالثة من حالات تعين الجهاد هي أشد الحالات الثلاث, وألزمُها, كما أنها متضمنةٌ للحالتين الأوليين وزيادة. وتعرف بالنفير العام.
قال أبو بكرٍ الجصاص رحمه الله: "معلومٌ في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سلسلة لا يضرهم من خذلهم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الاحرار  :: منتدى خطب الجمعة النصية-
انتقل الى: